تشهد فرنسا حالة من التوتر السياسي والاجتماعي المتصاعد، وسط تحذيرات متزايدة من شخصيات سياسية ومراقبين من احتمالية انزلاق البلاد نحو “حرب أهلية” في ظل تراكم الأزمات وعجز السلطات عن احتوائها. وقد تصاعدت حدة الخطاب السياسي مؤخراً، حيث حذر النائب اليميني نيكولا دوبان إينيان من أن العنف المرافق للحراك الطلابي يمثل “بداية لحرب أهلية”. واتهم جوردان بارديلا، رئيس حزب “التجمع الوطني”، حزب “فرنسا الأبية” اليساري بـ”الدفع نحو الحرب الأهلية”. كما دق رئيس الوزراء الأسبق دومينيك دو فيلبان ناقوس الخطر، مؤكداً أن الحرب الأهلية “تطرق أبواب فرنسا”. من جانبه، اتهم الرئيس إيمانويل ماكرون جماعات منظمة من “اليسار المتطرف” بالسعي لتقويض النظام الجمهوري، بينما ندد وزير الداخلية سيباستيان لوكورنو بـ”الأجواء المثيرة للاشمئزاز” التي تخيم على البلاد. ويستند المحللون في قراءتهم للمشهد إلى أطروحات عالمة الاجتماع السياسي باربرا والتر، التي حددت في كتابها “كيف تبدأ الحروب الأهلية وكيف يمكن إيقافها” ثلاثة عوامل رئيسية لاندلاع النزاعات في الدول الديمقراطية: تآكل الديمقراطية، والاستقطاب القائم على الهوية، وتشكّل جماعات متطرفة تضفي الشرعية على العنف. وتتزامن هذه العوامل مع شعور فئات اجتماعية بالتهميش، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي في تأجيج الاحتقان. وقد شهدت الاحتجاجات الأخيرة، لا سيما في “السبت الأسود” الموافق 17 أكتوبر، أعمال عنف واسعة النطاق، شملت إحراق ممتلكات وعمليات نهب طالت آلاف المحال التجارية. وأقر وزير الداخلية لوران نونيز بأن القوى الأمنية “فقدت السيطرة على الوضع” في ذلك اليوم. وتشير التقارير الأمنية إلى ظهور ظاهرة جديدة تتمثل في مواجهات مباشرة بين مجموعات منظمة من اليمين المتطرف ونشطاء من اليسار المتطرف في عدة مدن، مثل نيس ومونبلييه. وقد فتح القضاء تحقيقات جنائية في عشر حالات عنف، مع توقيف عدد من المشتبه بهم. كما أثار حادث إطلاق النار في مدينتي “تراب” و”فيريير”، الذي أسفر عن مقتل شاب وإصابة آخرين، مخاوف من تصاعد العنف العنصري. ويتبادل حزبا “التجمع الوطني” و”فرنسا الأبية” الاتهامات بالمسؤولية عن تأجيج هذا المناخ. فبينما يتهم اليمين اليسار بتغذية العنف، يرد اليسار باتهام اليمين بخلق أجواء هيستيرية وعنصرية، مع توجيه انتقادات لقوى الأمن بدعوى التغاضي عن ممارسات اليمين المتطرف، وهو ما تنفيه وزارة الداخلية. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، يخشى مراقبون أن تتحول شوارع المدن الفرنسية إلى ساحات مواجهة دائمة بين المتطرفين من الجانبين، خاصة مع استمرار الأجندة الاحتجاجية للنقابات والطلاب والمتقاعدين، مما يضع القوى الأمنية أمام تحديات متزايدة لاحتواء العنف ومنع تفاقمه.