زيارة رئيس وزراء العراق، علي فالح الزيدي، إلى دمشق في يوم الأربعاء شكلت خطوة مهمة في تعزيز العلاقات بين بغداد والدمشق، وفقاً لمصادر دمشق. تُعَدّ هذه الزيارة الأولى لرئيس حكومة اتحادية في العراق إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد، وتأتي في إطار سلسلة زيارات متبادلة على مستوى وزراء الخارجية ومسؤولي أجهزة الاستخبارات بين البلدين. قال الباحث في مركز جسور للدراسات، عبد الوهاب عاصي، إن الزيارة تمثل «منعطفاً جوهرياً» في العلاقات بين البلدين على المدى القريب والبعيد، إذا تحققت الأهداف التي بنيت عليها. وأضاف أن هذا التقارب يتزامن مع اتفاق تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك في يونيو الماضي، ويهدف إلى تطوير التعاون الميداني في مكافحة الإرهاب والتهريب عبر الحدود، بالإضافة إلى التعاون في ملف سجناء تنظيم داعش، وتجربة نقل النفط العراقي بالصهاريج إلى بانياس لتصديره. تضمن اللقاء بين الزيدي والرئيس السوري، أحمد الشرع، دعماً سياسياً على مستوى رئاسة البلدين لمسارات التعاون، مع اختبار جدوى هذه المسارات عملياً، سياسياً، اقتصادياً وأمنياً. وفقاً للباحث عاصي، يعكس ذلك تنامي قدرة المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة على بناء الثقة وتوسيع العلاقة بين بغداد ودمشق. من جانبه، وصف رئيس مركز دراسات النهضة في دمشق، عبد الحميد توفيق، زيارة الزيدي بـ«المنعطف الجوهري»، مشيراً إلى أن سوريا والعراق يشتركان في كونهما «بؤرتي توتر في الإقليم والمنطقة»، وأنهما نقطتان استقطاب للقوى الإقليمية والدولية. وأشار إلى أن التوترات في المنطقة قد تؤخر تواصلهما، لكن هناك قوى إقليمية ودولية، مثل تركيا والولايات المتحدة، ذات مصلحة في استقرار العلاقات بين الجيران. ناقشت مصادر قريبة من الحكومة في دمشق، مع الوفد العراقي، عددًا من الملفات الحيوية، أبرزها ملف النفط والطاقة. تم التباحث في تأمين منافذ بديلة لتصدير النفط العراقي عبر البحر الأبيض المتوسط في سوريا، وتوقيع مذكرات تفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب «حديثة‑بانياس» الاستراتيجي، مع توقع تنفيذ المشروع مع شركات إقليمية ودولية كبرى، أبرزها شركة شيفرون الأمريكية. كما تناولت المباحثات العلاقات التجارية، مع الإشارة إلى أن الحدود السورية‑العراقية تشهد نشاطاً متزايداً في حركة النقل، مع عبور أكثر من 140 ألف شاحنة (استيراد وتصدير وترانزيت) من العراق إلى سوريا خلال الأشهر القليلة الماضية. وتُعدّ ضبط الحدود، التي تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، الركيزة الأساسية لاستقرار الجيوسياسي الإقليمي. ناقش الوفدان سبل تحقيق بيئة آمنة للمشاريع الاستثمارية الواعدة، بالإضافة إلى ملف الأمن المائي والزراعي والمساحات الزراعية المشتركة التي تُقدّر بنحو 80 إلى 100 مليون دونم. تسعى الحكومتان إلى تطوير مسارات ربط لوجستي تمتد من ميناء الفاو العراقي إلى ميناء طرطوس السوري، بهدف ربط أسواق الخليج العربي بالأسواق الغربية عبر الأراضي السورية. على الرغم من التقدم في العلاقات الاقتصادية، يظل التركيز الأكبر على الجانب التجاري، وفقاً لمصادر اقتصادية في دمشق، مع الإشارة إلى أن التوترات الإقليمية وأزمة مضيق هرمز قد دفعت إلى تعزيز التعاون. ومع ذلك، يظل التحدي السياسي الإقليمي والدولي عائقاً تاريخياً أمام بناء تكامل اقتصادي مستدام بين البلدين. أشار الباحث عبد الحميد توفيق إلى وجود «منغصات كثيرة قد تعترض إنجاز العلاقات بين الجانبين»، منها ما يتعلق بإيران، التي تسعى للحفاظ على تأثيرها في العراق، وإسرائيل، التي تحاول خلق حالة توتر في سوريا. ومع ذلك، يرى الباحث أن الجانب الاقتصادي يمكن أن يكون حاضنة أساسية ورافعة لتطوير العلاقات السياسية بين البلدين، بالإضافة إلى الجانب الأمني، مع التركيز على تهديد تنظيم داعش الذي يظل يهدد كلا البلدين. خلال الزيارة، كان ملف المعتقلين السوريين في العراق، الذي يتجاوز عددهم 3 آلاف معتقل، في مقدمة الملفات المطروحة على طاولة المباحثات. طلب الجانب السوري تصنيفهم قانونياً لتسهيل إعادتهم إلى بلادهم، بينما طرح الجانب العراقي استئناف الحج الديني إلى المقامات الشيعية وتأمين سلامة الزوار. يخلص الباحث عبد الحميد توفيق إلى أن «الآفاق واعدة، طالما أن الإرادة السياسية متوفرة»، وأن هناك قوى إقليمية عربية ودولية لها مصلحة في استقرار العلاقات بين البلدين في المستقبل.